• الصورة الكبيرة

    ما بين تتبع التفاصيل وبين الوقوف أمام الصورة الكبيرة، بعد أخذ خطوتين للوراء، يكون التأمل الوجودي في أفضل تطبيقاته. للتفاصيل مواقيت، ولها عواطف محددة حسب السياق، لكن في الصورة الكبيرة راحة ندين لها بوجودنا كله. وفي سعينا اللاواعي نحو هذا التوازن، سنبحث بدايةً في الاشياء عن شيء يشبه التجذر، نندهش، ونندهش مرة أخرى، إلى أن نسأم بعد أن نلاحظ كثرة التكرار، حتى الاشياء المختلفة تتشابه، والأشخاص المختلفون يتشابهون، ولا يمكننا أن ننظر، مهما أردنا، إلى الاشياء بنفس نظرة الدهشة الاولى، إلا ربما في حالة واحدة: بعد مرور السنوات.

    ستبحث عن التجارب المعاشة، وعن الشخصيات غير المبرمجة، التغيير هنا هو بوابتك نحو الصورة الكبيرة. الجديد، المدهش، الحيوي هو ما يجعل من الأيام أياما جيدة. وفي بعض الأحيان، قد يتطلب الأمر قرارا واعيا بترك فريق والانضمام إلى آخر، وذلك بترك ما لا يعنيك في الاختيار ما بين سيولة الثنائيات. نميز اليوم هذا الشعور المسبب للعجز وبالتالي تأخير التنفيذ في عقلية الانسان المعاصر الذي لم يعتد إلا على أن يتم ضغطه من الخارج، ومكافأته من الخارج، ونميز رغبته في عدم ترك ما يألف، أو ما يعرف بمنطقة الراحة، قد يشعر الانسان أنه يدين لإدراكه السابق بشيء ما كالميل النفسي ولأسباب منطقية كثيرة للعدمية، بوجهيها السلبي والايجابي، رغم أننا نعرف أنه فريق خاسر وقد لا نريد تشجيعه بعد اليوم.

    ما الذي يجعل من الأيام أياما جيدة؟ لا أؤمن بالمسرات الصغيرة التي يتحدث عنها آلان دو بوتون كثيرا في محاولاته لتدريس الحياة (١). ولا أؤمن بالتكرار، لكن أؤمن بأسلوب الحياة الذي يحوي على فعل ثابت وفعل متجدد. أؤمن بالقلب، وأؤمن بكل ما يستطيع أن يقترب منه. أؤمن أن الضحك هو أبسط أشكال السعادة، قبل أن يرتفع وعي الانسان إلى مستوى راحة البال. أؤمن بالناس، وبالحب، وبالحياة بصورتها الكبيرة، وأؤمن أننا طالما منحنا الخيار، وهذه رفاهية، فلنبحث حتى نجد المتسع، أينما كان، ولنذهب إليه.

    (١) سلسلة كتب مدرسة الحياة-School of Life، تحرير: آلان دو بوتون.

  • أكثر بقليل من لا بأس

    ما هو الوعي؟ وهل يستمر الوعي بعد الموت؟

    هناك عدد من الأسئلة الجوهرية التي لم يجب عليها العلم، ومنها سؤال الوعي. وبعيدا عن التعريفات الاكلينيكية التي لا تزن شيئا خارج نطاق الفحص الطبي، وبعيدا أيضا عن تعريفات «غوروز» التنمية البشرية، نحن وحتى اليوم، لم نستطع تعريف الوعي، ولا توجد هناك إجابة.

    يكثر هذه الأيام الحديث عن تجارب الاقتراب من الموت-NDE، ويتم ربطها باستمرارية الوعي بعد الموت، لكنها لا تزال في مرحلة «الحوارات»، ولا يوجد دليل على ذلك. هناك قلة من أمثال يونغ، تجرأوا على الدخول إلى مناطق محظورة أسموها باللاوعي، ولكنه محور آخر وإن اتصل. نحن نعرف أننا لا نعرف حتى الآن ما هو الوعي، لكن ربما نعرف أن الوعي الذي يملكه شخص غير الذي يملكه آخر، تركيبة مختلفة تماما تكاد ألا تكون الشيء ذاته، حيث أن الشخص الذي ينظر إلى الحياة كحدث واحد طويل وممل، وبلا معنى، وإلى الموت بصفته إما نهاية مطلقة أو صفحة جديدة، لا خلاصًا، يملك شكلا مركبًا للوعي لا يشبه الذي لدى آخر لا يرى في الوجود أية إشكالية على الاطلاق. نعرف، على الاقل، ذلك.

    بأكثر بقليل من لا بأس، وبالمزيد من النظر نحو السماء مع عدم القدرة على لمسها، وبالكثير من محاولات عيش الحياة بالهروب الواعي منها. أيام جيدة وأيام سيئة، ولا نعرف حتى متى سننظر نحو الغد بصفته غدا. أقرأ كتاب «فن الوجود» لايريك فروم، وأضحك على تواطؤ الادراك. يعرف فروم جيدا أنه لا فن ولا وجود، ورغم ذلك يكتب. كلنا هنا ممثلون، مسرحية من مسرحيات بيكيت، في انتظار أن يسدل أحد هذا الستار. ويذكرني هذا بالسيدة المصرية في مقطع الفيديو القصير الذي يعاد نشره رأس كل سنة ميلادية: «ماهي طموحاتك للسنة الجديدة؟» وتجيب: «ان القيامة تقوم».

  • أن تدع الحياة تحدث

    في كتابه «سقوط الجدار السابع: الصراع النفسي في الأدب» يتحدث الراحل حسين البرغوثي عن المعنى الشخصي في رسالة أدبية قصيرة، ويطلق على هذا المعنى الشخصي مصطلح (السبب الرئيسي). وبعد معاناة مع المرض، وتجربة أرضية قصيرة، يرحل حسين بكل أسبابه الرئيسية ويترك خلفه بترا وآثر وتريكة أدبية شخصية أسماها «سأكون بين اللوز»، كانت آخر ما كتب. وبضعة مؤلفات شبه سيرة ذاتية/semi-autobiography أخرى كـ «الضوء الأزرق» و «الفراغ الذي رأى التفاصيل».

    قرأت الضوء الأزرق لأول مرة قبل ثمانية سنوات، بنسخة الكترونية مقرصنة، ولا أتذكر شيئا غير الجدة التي فاجئتني في أسلوب النثر الشعري، على شكل السرديات اليومية لذكريات وتأملات ذاتية ذات بعد حقيقي، ومحاولات مكثفة لمقاربة الخارج للداخل. وبعد عدة سنوات، وعدة ولادات جديدة للذات بعد غياب كل معنى، توفرت في الشتاء الماضي جميع مؤلفات حسين البرغوثي لدى مكتبة تكوين عن الدار الأهلية، لأشتريهم، بما فيهم الضوء الأزرق. ثمانية سنوات بين قراءتي الأولى، والثانية، ولا تزال كلمات حسين البرغوثي كما أتذكر، شفافة وحقيقية وتنظر نحو أقصى الداخل.

    في الحديث عن المسألة الوجودية للمعنى، هناك الاتجاه النفسي والاتجاه الفكري. اتخذ الاتجاه النفسي نواح تطبيقية كما في العلاج الوجودي. واعتنى به يونغ في مفهوم الفردية/individuation. في غياب المعنى، يموت الايقو، وفي موت الايقو، ولادة جديدة كليا، ولكن ليس على كل حال. من اللحظة التي يبدأ بها المعنى بالغياب، إلى الموت الحتمي للأنا، إلى الولادة الجديدة، نتحدث هنا عن بضعة سنوات على أقل تقدير، عن عملية بلورة الذات في كل صعود وسقوط، تشافي من النقطة صفر، انتكاس، تشافي من المنتصف، أزمات وجودية حادة، والكثير الكثير من كامو وسارتر. وسنة تلو السنة، حتى تدرك أن الأهم من البحث عن المعنى، هو أن تتعلم أن تحيا، تحيا حقًا، رغم غياب المعنى. أن تهدأ حين تقرأ لغوته، وأكثر أكثر لبيسوا. أن تتعلم كيف تعيش من جديد، أو لأول مرة.

    ستقف من بعيد، بعد مرور السنوات، لتنظر إلى ذات المنظر من الضفة الأخرى للزمن، ولن تصدق كم يبدو رائعا، فقط من الجهة الأخرى. ولن تصدق كيف يمكن أن يتحول هذا القلق الوجودي إلى إسهام وجودي، وحياة بطيئة، وعقل هادئ، وقلب ممتلئ، ويفيض. وفي وسط هذا كله، أتذكر بو نورة، وهذا التساؤل الوجودي الذي يستوقفني في كل مرة، في أغنية «اختلفنا»: «الحياة.. ايش الحياة؟ إلا مشاهد ناظريك.»، لدى البعض، يكمن المعنى هناك، للروح والروح. أما بالنسبة لنا، فلا حقيقة نصدقها، حتى الآن، سوى أننا هنا، وأن هذه الحياة تحدث، ولا بد وأن تعاش، بالعنف والعنفوان، بالوحشية والالفة، نحن هنا، وهذه الحياة لا بد وأن تعاش. «اللهم فلتشهد، اللهم فلتشهد. وليغن الجبل.»

  • أخبار الأيام

    لا تبدو الحياة هذه الأيام جديرة بكثير معنى، عدا رغبتي الملحة لعبور مؤلفات طويلة لكارل يونغ، وتطلعي للزيارة القادمة للمكتبة الوحيدة في الكويت التي وجدت فيها مؤلفات هنري ميلر عن دار المدى كاملة. إن وقفت في وسط هذه المكتبة، ورفعت رأسك، ستجد نفسك وجها لوجه أمام رفوف طويلة لا تحوي سوى إصدارات المنظمة العربية للترجمة، تكدست فوق بعضها، وجوار بعضها، بما يشبه جدرانا من الطين.

    أن تعيش ضمن مجتمع مدني، يعني أن تنظم بصورة شمولية أيامك حسب المواسم السنوية التي لا تعنيك، مثلا مواقيت إجازات طلاب المدارس. تتقاطع إجازتي الدورية في أسبوعها الاول مع الاسبوع الأخير للاجازة الصيفية للطلاب، لا أخرج كثيرا، تفاعلات إجتماعية أقل، الحياة قصيرة، والزحام طويل. أقرأ هذه الأيام في أساطير وأسفار بلاد الرافدين، وكما يثير الانسان القديم ذهول الأنثروبولوجيين، يثير بنفس الدرجة حيرتي. هذه الحاجة للخلق، للعجن، للتأليف والتصديق، ونسأل السؤال: ماذا لو لم تكن الأسطورة؟ 

    كل الاشياء تبدو جديرة بالنظر إليها مرتين، لكن حياة واحدة لا تكفي لكل هذا الالتفات. ظهري مكشوف للأقدار، ولا ألتفت، أترك الحياة تحدث. رغم أنها حياة واحدة، ورغم أنها نسبيا قصيرة، إلا أني عشت، حتى اللحظة، بما يكفي. ولا أعتقد أن شيئا قد يفوتني لو أغمضت عيني في هذا المساء الاغماضة الأخيرة. وكل عدتي من الحياة، بضعة تجارب معاشة، وأشياء حقيقية، وقلة أعتقد أنهم أحبوني حقا. صيف آخر ينتهي، تقصر الحياة، ويتناقص الوقت، وتتزاحم المعارف، ومع ذلك، لا تبدو الحياة هذه الأيام، جديرة بكثير معنى.

  • أن تعيد كتابة القصة

    اليوم ذاته يكرر نفسه. يخبو المعنى، وفي محاولة للسطوع، يطفو سناء الشمس فوق الأسطح المعدنية للسيارات، يقترب الصيف وأشعر بالعمر يتسرب مني، أعبر اللحظة وأصادق القلق وألتقي بحياة لا تشبهني، ويتجه بي هذا العمر باتجاه واحد، نحو الأمام، ولا أعود للخلف الذي يخصني إلا لأكتب عنه شيئًا، ولا أعود للخلف الذي يخص الآخرين، إلا لأقرأهم فيه.

    في الاسبوع الماضي، أثناء بحثي عن كتب مذكرات جيدة، عن الانعكاسات الذاتية والنظر إلى الداخل، قرأت كتاب «مذكرات فتاة» للكاتبة الفرنسية آني ارنو. في كتابها هذا، تكتب ارنو بعد أن تجاوزت الستين عن صيف من أصياف أواخر مراهقتها، تقبض في الكتاب على زمن محدد، وتمسكه جيدا لتنفض عنه ما تراكم من السنوات، فلا يتبقى من هذا الحدث سوى نصوص تشريحية للماضي الذي وقع، والأنا التي كانت، في حضور كامل أو غياب تام للآخر. وفي خط متوازي للأسلوب الانعكاسي الغارق في الواقعية الخاص بإرنو، أتذكر رواية النظر إلى الداخل عن كثب وإلى الخارج لكن عن بعد، «مكان ثان» للكاتبة الكندية رايتشل كاسك، لارنو وكاسك ذات النبرة الانثوية بخصلات الشعر الرمادية، والتجربة المعاشة من كل الألوان، في صورة كاملة للحب الذي يبدأ بالمعرفة، ويكبر بها.

    في السينما، للمخرج الايطالي بابلو لاراين مشروع إخراجي في هذا المعنى، شكّل حتى الان ثلاثية ضمت الافلام التالية على الترتيب: «جاكي-٢٠١٦»، «سبنسر-٢٠٢١»، «ماريا-٢٠٢٤»، المعنى الكامن في منح الاهتمام لفترة زمنية واحدة، وروايتها كقصة كاملة، من الداخل إلى الخارج، بالبيرسونا والايقو، رعاية كل تفاصيل هذه الفترة من حياة شخصية يعرفها الجميع، ثم بث الحياة فيها، وبعثها من جديد، في إحياء ممتن لكل الألم والندم والحقيقة وما دونها. لاراين في رؤيته الاخراجية، ينأى عن ركوب موجة أعمال السيرة الذاتية، التي هي أعمال الحياة الكاملة، حياة وموت، صعود وسقوط، ويتجه نحو رواية الجزء من الكل، القصة من الحياة، الحياة من العمر.

    أن تعيد كتابة القصة، أن تنظر إلى المشروع الانساني كمجموعة من القصص تفصل ما بينها مسافات زمنية، كل قصة تبدأ وتنتهي ليبدأ غيرها، وليس عليك أن تعلق في درب واحد، أو زمن واحد، أو أنا واحدة. لذلك، ليس كليشيه ما يقوله المبتهجون دوما: «كل يوم جديد هو بداية جديدة»، حقيقة مجردة، وبعيدا عن التجريد، حقيقة يتسع معناها باتساع سماحك لنفسك بالتسليم، وإنهاء القصة.

  • «لا تنس أن تعيش»

    أفكر كثيرا هذه الايام في غبطة سبينوزا، وأنخرط في أحاديث عن التهذيب والاخلاق والاحسان، وأعيد قراءة «لا تنس أن تعيش» لبيير آدو لأغسل روحي في حكمة غوته، أجدني لا أصل إلى ضالتي، أبحث في الغزالي عما لا أجده عند الغربيين، ولا زلت أبحث.

    أسبوع حافل وأسبوع هادئ، هكذا هي حياتي، ولا أطمح لشيء سوى أن أملك في رصيدي المزيد من الأسابيع الهادئة. تعلمت، من بيسوا أولا، ثم من سارتر، أن لا فرصة لدي بذهن صاف وعقل متقد إلا بروح تغتسل بالجمال عند كل فجر، وبالمعارف عند كل مساء. وفي «النظر من عل» تكون التذكيرات المستمرة باتساع الوجود، ويأتي الهدوء، ثم وعلى مهل، تعاش الحياة كما ينبغي، ببطء، وفي هذا التزام.

    «كي تعيش الحياة بطيب خاطر

    عليك أن تعلو فوقها

    لذا تعلم الارتقاء

    لذا تعلم أن تنظر نحو الأسفل

    لا تبق ملتصقا بالأرض

    ولا تصعد عاليا جدا

    فالعالم سيبدو لك أجمل

    ان نظرت إليه نظرة نصف مائلة» (١)

    في السعي نحو غبطة سبينوزا، ونحو الاسهام الوجودي لسارتر، ونحو الحياة البطيئة التي أريد، في النظر من عل، في حضور اللحظة، وفي حضور اللحظة في النظر من عل. تمارين روحية كما يسميها آدو، التزام يستدعي صلابة نفسية من منظور علم النفس الحديث، تشافي بالعادات الجيدة كما يراها رواد التنمية البشرية. وهديتك للعالم، شخص يلبس ابتسامته على الدوام كحالة طبيعية، وبدرجات معقولة من القلق العام تسبقه طاقته المسالمة إلى المكان بالمقاييس الميتافيزيقية للزمن، وتبقى قليلا، تدخل نحو الجدران، وتنتشر في الهواء، وتبعث على السكينة، كأثر لا يعرف سوى أن يتمدد

    ١. قصيدة «قواعد حياة» — نيتشه