الحركة كقانون كوني، في حركة الاجرام السماوية منذ الازل، الارض حول نفسها وحول الشمس، القمر حول نفسه وحول الارض، الحركة في الدوران وفي الاستدارة، أرضنا المستديرة ككرة، القمر والشمس والكواكب، دوران مستمر باستمرار تدفق المجرة. الحركة في العودة إلى النقطة صفر، موسم إثر موسم، شتاء إثر شتاء، سنة ميلادية إثر أخرى، يزج بنا كل اثني عشر شهرا إلى النقطة صفر، إلى المركز، ونكرر العملية، نكرر ونكرر ونكرر، ندور ونتحرك ونكرر. يدور الدراويش حول محاور هياكلهم، وتدور الارض، وتدور السنوات، نحو التسليم، نحو العبور، نحو المخرج في النهايات التي نختار، بنتائجنا الخاصة وإرادتنا الحرة. وليس هذا ما يعنيه العود الابدي عند نيتشه، لكنه التكرار، والاصرار على تجاهل ما تعرفه نماذجنا البدئية في كل مرة. ينص القصور الذاتي لنيوتن على أن: «الجسم الساكن يبقى ساكنا، والجسم المتحرك يستمر في حركته بسرعة ثابتة وفي خط مستقيم، ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تغير من حالته»، ليس هذا قانونا فيزيائيا أساسيا وحسب، بل هو أسلوب حياة ممنهج. السكون، والحركة، والميل نحو مقاومة أي تغيير في الحالة الرئيسة.
في الأمس، عند الساعة التي تسبق الغروب، كنت عالقة في الزحام باتجاه الشمال على الدائري الرابع، كلنا على هذا الخط عالقون وكل شيء حولنا ثابت، أتذكر أومامه العالقة في زحام عالم (ون كيو ايتي فور) في بداية الرواية، وسيمفونية ياناتشيك تصدح في سيارة الأجرة، ثم جريها بالكعب العالي أسفل درج الطوارئ نحو أقرب مخرج، رأيت المشهد كما قرأته يحدث أمامي. عالقون في الزحام وكل شيء ثابت، إلا الاشجار على يمين الطريق، تتحرك أغصانها ووريقاتها وترفرف، والطيور تطفو في الجو، تتحرك أجنحتها وترفرف، وعلى عدد المرات التي تأملت بها تحليق الطيور، يضحكني المشهد لأول مرة، بسبب فكرة ساورتني، رفرفة أجنحة الطيور تشبه إلى حد كبير التصفيق بيد واحدة. أراه جيدا، التصفيق بيد واحدة، وأضحك، لانه في نهاية المطاف، اتضح أن اليد الواحدة باستطاعتها أن تصفق. مشاهد ساعة ما قبل الغروب هذه كثيرة في طفولتي، لم أكن أدرك الكثير، بطبيعة الحال، لكنني مع التكرار اليومي للمشهد، رأيت أسراب الطيور تكتسح السماء أكثر ما تكتسح، عند هذه الساعة تحديدا، ولم أتساءل لماذا، لكنني لاحظت النمط وسجلته ذهنيا، وهذه هي أولى ذكرياتي في التأمل. كبرت قليلا، ودخلت المدرسة، وقيل لي أن الطيور تنام في الليل، وفكرت أن هذا هو سبب حركتها المكثفة قبل الغروب، وهذه أولى ذكرياتي في الربط، ينتهي يومها اذن قبلنا بقليل، وتأوي إلى أعشاشها، التي لا أعرف أين، (وتساءلت كثيرا حول ذلك، وحتى اليوم، لا أستطيع القول أني أعرف تحديدا أين)، وتستيقظ عند الفجر وتعيد الكرة، بإدراك لا نعرف عنه سوى القليل.
يوصي المعالجون النفسيون مراجعيهم بتجنب السكون، يوصوهم ألا يبقوا ثابتين في أوقات الضنك الشديدة والمفاجئة، يخبرونهم أن يجلسوا في المقاهي محاطون بالناس، وأصوات الحياة، أو أن يمارسوا المشي ولو قليلا. السكون فكرة جذابة، أعرف، حتى نمعن النظر في الدمار الذي قد تتسبب به عدة ليال متتالية من الصمت المطبق والوحدة القاتلة. لذلك، هنا للحركة، وإلى الايمان، الثابت الوحيد فقط. كل الذي لدينا ذكريات آتية من مستقبل حدث قبل بضعة آلاف سنة، ومستقبل يحدث الآن، وماض يكرر نفسه. تحترق الجسور ونحن فوقها، وتسكن الاحلام ونحن فيها، ولا شيء يبدأ، «ولا يهدأ الداء عند الصباح، ولا يمسح الليل أوجاعه بالردى» (١)، وتطفر دمعة عاجزة من روح حرة، ولن تلجأ هذه الروح للدعاء، ستلجأ للحركة، وستبحث دوما، عن حياة كثيرة الجدوى، وتبتسم لها على الدوام.
«عندما أقف أمام الله، في نهاية حياتي، آمل ألا أملك ذرة موهبة واحدة باقية، وأقول: لقد استهلكت كل ما قد وهبتني.» — لانا ديل راي (٢)، لا أسكن، حتى ينفد هذا المخزون من العطايا، هكذا تسد الديون.
(١) سفر أيوب – بدر شاكر السياب
(٢) منشور قديم لها على منصة تويتر
أضف تعليق