الحركة كقانون كوني، في حركة الاجرام السماوية منذ الازل، الارض حول نفسها وحول الشمس، القمر حول نفسه وحول الارض، الحركة في الدوران وفي الاستدارة، أرضنا المستديرة ككرة، دوران مستمر باستمرار تدفق المجرة. الحركة في العودة إلى النقطة صفر، موسم إثر موسم، شتاء إثر شتاء، سنة ميلادية إثر أخرى، يزج بنا كل اثني عشر شهرا إلى النقطة صفر، إلى المركز، ونكرر العملية، ندور ونتحرك ونكرر. يدور الدراويش حول محاور هياكلهم، وتدور الارض، وتدور السنوات، نحو التسليم، نحو العبور، نحو المخرج في النهايات التي نختار، بنتائجنا الخاصة وإرادتنا الحرة. وليس هذا ما يعنيه العود الابدي عند نيتشه، لكنه التكرار، والاصرار على تجاهل ما تعرفه نماذجنا البدئية في كل مرة.
في الأمس عند الساعة التي تسبق الغروب، كنت عالقة في الزحام باتجاه الشمال، كلنا على هذا الخط عالقون وكل شيء حولنا ثابت، أتذكر أومامه العالقة في زحام عالم (ون كيو ايتي فور—1Q84) في بداية الرواية، وسيمفونية ياناتشيك تصدح في سيارة الأجرة، ثم جريها بالكعب العالي أسفل درج الطوارئ نحو أقرب مخرج، رأيت المشهد كما قرأته يحدث أمامي. عالقون في الزحام وكل شيء ثابت، إلا الاشجار على يمين الطريق، تتحرك أغصانها ووريقاتها وترفرف، والطيور تطفو في الجو، تتحرك أجنحتها وترفرف. مشاهد ساعة ما قبل الغروب كثيرة في طفولتي، لم أكن أدرك الكثير، لكنني مع التكرار اليومي للمشهد عند كل مغرب في الحوش، رأيت أسراب الطيور تكتسح السماء أكثر ما تكتسح عند هذه الساعة تحديدا، ولم أتساءل لماذا، لاحظت النمط وسجلته ذهنيا، وهذه أولى ذكرياتي في التأمل. كبرت قليلا، وقيل لي أن الطيور تنام في الليل، وفكرت أن هذا هو سبب حركتها المكثفة قبل الغروب، وهذه أولى ذكرياتي في الربط المنطقي، ينتهي يومها اذن قبلنا بقليل، وتأوي إلى أعشاشها ولا أعرف أين، وتستيقظ عند الفجر وتعيد الكرة مثلنا، بتكرارت لا نهائية، وبإدراك لا نعرف عنه سوى القليل.
يوصي المعالجون النفسيون مراجعيهم بتجنب السكون، يوصوهم ألا يبقوا ثابتين في أوقات الضنك الشديدة والمفاجئة، يخبرونهم أن يتحركوا، أن يجلسوا في المقاهي محاطون بصخب الناس وأصوات الحياة، أو أن يمارسوا المشي ولو قليلا. السكون فكرة جذابة، أعرف، حتى نمعن النظر في الدمار الذي قد تتسبب به عدة ليال متتالية من الصمت المطبق والوحدة القاتلة. لذلك، هنا للحركة، وإلى الايمان، الايمان، الثابت الوحيد فقط.
كل الذي لدينا ذكريات آتية من مستقبل حدث قبل بضعة آلاف سنة، ومستقبل يحدث الآن، وماض يكرر نفسه. تحترق الجسور ونحن فوقها، وتسكن الاحلام ونحن فيها، ولا شيء يبدأ، «ولا يهدأ الداء عند الصباح، ولا يمسح الليل أوجاعه بالردى» (١)، وتطفر دمعة عاجزة من روح حرة، ولن تلجأ هذه الروح للدعاء، ستلجأ للحركة، وستبحث دوما، عن حياة كثيرة الجدوى، وتبتسم لها على الدوام.
(١) سفر أيوب – بدر شاكر السياب
الصورة من كتاب العود الأبدي: العودة إلى الأصول والصراع بين الأسطورة والتاريخ، د. خزعل الماجدي.

اترك تعليقًا