هناك في الأعالي، لا أحد يفتعل شجارا مع الالهة، تغرب شمس واحدة واثنتان وثلاثة، الليل أقصر ما يكون، والنهارات ذاتها ذاتها، نطحن فيها ونرفض أن نشعر. أسمع موسيقى «غروب الالهة — Twilight of the Gods» من جهة، وأغنية «في أسئلة براسي» من جهة أخرى، لا أعرف أيهما داخل رأسي وأيهما خارجه. وأفكر، منذ العام الماضي، أن أكتب حول سينما أطفال الطلاق، وعن الفوتوغراف، لكن «شوي بتوجّع برلين»، وأتمنى لو كان لروحي نافذة، أفتحها بين الحين والاخر. أؤمن أننا لا نحيا سوى في الاحلام، ما هو رأي يونغ حول ذلك؟ لن أعرف، لانني لن أجد كتاب الأحلام إلا لدى دار الحوار في اللاذقية، ثلاث ساعات في الجو، أفتح برنامج واتساب وأبحث عن اسم (ربى – دار الحوار)، وأفكر ان أسألها عن إجراءات الشحن، وأعدل عن ذلك، روتين ذهني يتكرر، ويذكرني بالمسافة والسور والباب والحارس، والحدود والهجرات وأرض الله الواسعة، وشكل الأرض لو أننا ما تسيدناها. قريبا سأزور مكتبة دار رؤية، وسأجد يونغ هناك، ولن أبحث عن الزهرة الذهبية، يكفي أن أعرف أنها بيننا.

هناك في الأعالي، (ليس ثمة حقيقة خارج الاشياء)، لا داعي أن نرى عينا بعين، نعرف هذا كله، جربناه، وهذه هي التجربة المئة بعد الألف. لكن هناك في الأعالي، سنرى عينا بعين دون أن نحاول، دويتو لملحم بركات ومحمد عبدالوهاب، إميل سيوران وسارتر يتحاوران ويتفقان، ولا زلنا هنا جيلا بعد جيل، نغرق في «المياه كلها بلون الغرق» ونتمسك بالاحياء اليائس في «الوجودية منزع إنساني». هناك في الأعلى، لا داعي ألا يكون هناك حقيقة خارج الاشياء، كل الاشياء حقيقية. كل الأشياء نعرفها وتعرفنا. «على انهم بيحكوا قصتنا وهن بينقشوا كعك»، لا خصوصية هنا خارج الأشياء، ولا ملكية خاصة، ولا قدسية لروابط الروح، وهناك في الاعالي، كل شعور صلاة.

«أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد.» حفلة التفاهة — ميلان كونديرا

أريد أن أبدأ هذا الحديث من جديد، وأمسك بالكاميرا، وأصوبها نحو الشمس، «تحط عينك بعين الشمس؟» نعم، ويتوقف الزمن عند صوت الغالق، ويتدفق عند لحظة معينة واحدة ويتسرب إلى بعد آخر. «أمر سماوي»، ربما. لا أتعمد شيئا، ولم أتعمد شيئا منذ وقت طويل. الحياة تحدث، ولا أعرف متى يتوجب علي أن أستخدم إرادتي الحرة وأتدخل. تطوي الايام نفسها، ولا أعرف ماذا أنتظر، ولا أحلم بشيء، ولا حتى «صالحت بيك أيامي، سامحت بيك الزمن»، وبيني وبين الزمن أعوام نار ودم، وكل ما يمكن «لواشٍ أن يفسده». أيام جيدة قليلة وأيام سيئة كثيرة، ولا أشعر أن السماء قريبة، ولا أشعر بها تنظر إلي، يحدث الكثير ولا شيء يحدث. ألمح النهايات تلوح في الأفق، وهذه نظرة أخيرة، واحدة الآن، وأخرى لاحقًا.