أتتبع ضوء النهار النافذ من الجدران نصف المفتوحة في مواقف السيارات خارج المستشفى، (سولينزارا) عمر خورشيد تنتشر في هواء السيارة، أحبها، تبعث في صدري على حياة جديدة وأمل مخيف لا أعرفه الا عند اعتمال الشعور. وأتذكر في لحظة حالمة، جدتي ووالدتها «ثاقبة»، أعود بالذاكرة إلى بقعة زمن بعيدة، العام ٢٠٠٥، لم اكن اعرف عن وجود ثاقبة، عرفتها يوم ماتت. أعود بين الحين والآخر إلى عزاء ثاقبة، ماتت في اليمن وأقمنا العزاء في بيت جدتي في جنوب الكويت. عندي من ذكرى ثاقبة المشتتة شيئان: عزاءها البعيد المقام في الغياب، واسمها الذي استلهمه أجدادي من أنوار النجوم، ومرة أخرى ودون رغبة حقيقية مني، تختلج صور هذه الذكرى في صدري، من أكبر حتى أصغر تفاصيل ذلك اليوم، حتى بعد مرور عشرون عاما، شابت فيها حياتي وتبينت أقداري، لا تزال تأتيني ثاقبة، تدل طريقها إلي، وأراها كل بضعة سنوات مرة، تقف وحدها وسط الصحراء الواسعة، كلاهما، هي وسناء الشمس، يقفان باستقامة لا تميل، أراها نحيفة الجسد، مفرودة الظهر، بضفائر كثيفة وعيون دعجاء وثوب طويل أحمر يستر جسدها كله، عدا الجيد والرأس والضفائر، والقدمين الحافيتين إلا من حرارة الرمال، تثبت ثاقبة نظرتها بتركيز ولا تبتسم، وتعقد حاجباها بتوجس وارتياب، وتنظر نحو الأعلى، دائما للأعلى، نحوي.
«وتدعو من القبر أُمي:
(بُنيَّ أحتضنّي، فبردُ الرَّدى في عروقي.
فدفّئ عظامي بما قد كسوتُ
ذراعيك والصدر،
وأحمِ الجراح جراحي بقلبك أو مقلتيك
ولا تحرفنَّ الخُطا عن طريقي!)
ولا شيء إلّا الموت يدعو ويصرخ
فيما يزول
خريف، شتاء، أصيل، أفول
وباقٍ هو الليلُ بعد أنطفاء البروقِ
وباقٍ هو الموتِ..
أبقى وأخلد مِن كل ما في الحياة
فيا قبرَها أفتح ذراعيك..
إني لآتٍ بلا ضجَّةٍ، دون آه»
**
من قصيدة نداء الموت — بدر شاكر السِّياب، ١٩٦٢
الجنوب، دائما نحو الجنوب، جنوب شبه الجزيرة حيث أعود، وجنوب الكويت حيث ولدت وكبرت، وجنوب الاشياء حيث أكون، يعرف القدر تحديدا ما يفعله. الشمال ليس سوى صورة فلمية في خيالي، يسكن فيها السياب والجواهري ومظفر النواب، وأحيانًا يزيد عن ذلك. أعرف الجنوب، ويعرفني، ويكفيني عن كل الاتجاهات ذلك. «أنتي الجنوب وأنا الشمال ما بيننا بحر ورمال» — صعب السؤال. من يعرفني جيدا يعرف اني لا أستعذب عدم المحاولة، وتثير قريحتي رمسنة الاستسلام للظروف، ولا أؤمن بالاسئلة الصعبة ولا بحواجز الجغرافيا ببحرها ورمالها، ولا في «بس الموج ما يساعد، ولا الأقدار بتساعد». لا يوجد موقف دون إرادة، ودائما ستكون هناك طريقة حتى مع المستحيل، وفي ذلك، سنلتقي قريبا أنا والكاتب السوري حنه مينا في رواية «نهاية رجل شجاع».
أقرأ هذه الأيام «مدار السرطان» و «سدهارتا»، ويونغ بأحد كتبه في الخلفية الوجودية لروتيني القرائي كالعادة. الأضداد بأبهى حلة، يعربد ميلر في باريس ويغمر روحه بمخدرات الوجود، ويبحث هيسه في أقاصي غنوصه عن الحقيقة في الخير والشر، عن النفس وعن الروح وعن السؤال. هذه أضدادي، وحياتي كما أعرفها، وكل ما أؤمن به. اليوم أتذكر ثاقبة، وغدا ربما لا، اليوم أتتبع ضوء النهار ويتحرك شعوري مع أوتار سولينزارا، وأتنفس ويميل رأسي وأبتسم وأشعر أنني بخير، وغدا ربما لن أجد المعنى من هذا كله.
يقول أحمد بخيت في الليال الأربع:
«ليال أربع لا غير
عاشتنا وعشناها
حكتها شهرزاد لنا
ولم تكمل حكاياها
ولا غفران للأيام
يا ليلاي لولاها»
هذه ليلتي الخامسة، والخامسة بعد الألف، ولا غفران للأيام حتى الآن.



اترك تعليقًا